بهاء الدين الجندي اليمني
187
السلوك في طبقات العلماء والملوك
يصرف في جرّه شيئا من مال السلطان ولا من مال حرام ولا شبهة ثم وقفه على المسلمين وببركة ذلك هو مستمر إلى عصرنا سنة أربع وعشرين وسبعمائة « 1 » . وبنى مسجدا بصنعاء عند سوق اللسانين « 2 » قال الرازي : أدركته خرابا قال كان هذا محمد بن خالد كثير الصدقة في جميع أحواله بحيث أنه كان إذا ركب حمل الدراهم في كمه وكل من سأل شيئا أناله ، وكان في إصلاح الطريق إلى مكة أمان وعمارة وكان شديد التفقّد على الرعيّة . يحكى أنه خرج يوما إلى سواد صنعاء « 3 » فوافى أهله « 4 » وعليهم ثياب الصوف الأسود التي تسمى شمالا « 5 » وظنهم سؤّالا فقال لخدمه « 6 » تصدقوا على هؤلاء المساكين فقيل له : هؤلاء الرعيّة الذين تأخذ منهم الأموال فقال : ما ينبغي أن يؤخذ منهم شيء ثم إنهم بطروا ، وأرادوا الخروج عليه . وأما أهل تهامة خصوصا عك فخرجوا عن طاعته فكتب إلى الرشيد يشكوهم فبعث مكانه مولاه حماد البربري « 7 » وقال له أسمعني أصوات أهل اليمن فلما قدم عاملهم بالعسف والجبروت وقتل من رؤسائهم جماعة وشرد جمعا في البلاد حتى دانوا وأطاعوا بالخراج المعتاد وزيادة عليه ما أراده ، وأمنت الطرق في أيامه أمانا لم يكد يعهد مثله ، حتى أن الجلب كان يسير من اليمامة إلى صنعاء لا يخشون عاسفا ومن جملتهم يصلون بالأغنام في عنق كل شاة مخلاة مملوءة تمرا فتبتاع بالرخص ، وأخصب اليمن في أيامه خصبا لم يعهد ، ورخصت الأسعار غير أن الناس تعبت منه من شدة العسف فلما حجّ منهم من حج شكوه إلى الرشيد في بعض حجّاته فلم يشكهم وأغلظوا على الرشيد الكلام فلم يجبهم حتى أنهم قالوا إن كان لك بحماد طاقة فاعزله عنّا فلم يلتفت ولم يزل حماد على اليمن حتى توفي الرشيد وذلك مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة . [ الأمين محمد بن هارون الرشيد ] فقام بالأمر بعده ابنه الأمين محمد « 8 » باستخلافه له فلبث حماد على اليمن سنة
--> ( 1 ) واليوم قد انقطع بتاتا ، وانظر « الإكليل » ج 1 ص 527 . ( 2 ) اللساسين بسينين ثاني الحروف ورابعها ويقال أن المسجد قرب مسجد الخراز . ( 3 ) هو ما يسمى اليوم سواد حزيز جنوب صنعاء . ( 4 ) كذا في « ب » وفي « د » . ( 5 ) الشمال بكسر الشين المعجمة : جمع شملة معروفة وهو إزار ينسج من صوف الغنم أو وبر الإبل . ( 6 ) في الرازي لحفدته . ( 7 ) انظر الكلام على البربري في « قرة العيون » ج 1 ص 131 و « الوثائق السياسية » ص 219 . ( 8 ) انظر ترجمته في « قرة العيون » ج 1 ص 136 .